وهذه الأرواح المشتركة التي تهب عليهم سخاء، رخاء، فتسري في الأوصال وتجري في العروق تشكل منهم رابطة محكمة الأواصر. تزري بكل الروابط التي تنبثق من فصيلة الدم، أو وحدة العرق، أو عنصرية الأصل، أو عصبية النسب، والقبيلة.
وتلك الروابط السماوية قوامها علائق الروح. ورد فعلها وحدة الأنفاس، والإحساس والنبض (مثل المؤمنين في تعاطفهم، وتراحمهم، وتعاضدهم كمثل الجسد الواحد ... ) وهذه المعاني المشتركة التي تنبض بها القلوب المؤمنة تتجاوب، وتعبر عن نفسها بمثل تلك الصلوات التي يدعو بها بعضنا لبعض بظهر غيب.
ولعل مما يؤيد أن الحقيقة هي ما قلت- ذلك الترتيل الشجي الذي نقدم به لتلك الصلوات التي نختم بها تشهدنا. الترتيل الذي تعم أرواحه كل المؤمنين (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ومن وحي هذه العبارة الموحية (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) يمكن أن نفهم أن المؤمن سبيله أن يبدأ بنفسه فيحيطها بكل روافد الأمن والسلام من توحيد، وإيمان، وصدق، وإخلاص، والتزام بكل ما عهد الله .. (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِيءَادَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) 60 يس.
وأن يثني بعباد الله الصالحين، على اختلاف أشكالهم، وألوانهم، وبقاعهم، وأزمانهم. يرجو لهم الرحمة. ويتمنى السلام، ويدعو من أجلهم بظهر غيب.
فكان ديننا سلام ولكن على كل صالح. أما من انحسر عنه رداء الصلاح فقد أضحى مكشوفًا للشيطان بعيدًا عن دوائر الأمان.
والصلاة، والسلام يردان دائمًا معًا، ويبدوان في إطار واحد، ويصدران مقترنين. فإذا كان السلام - وهو ند الصلاة- يهب على المؤمنين عامًا بلا تفريق فكيف إذن يتأتى أن تضيق أكناف (الصلاة) حتى تشتمل اشتمال الصماء (2) بفئة معينة أو بيت محدود؟
قضية الأهل