فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 18318

فما سبب ذلك؟ السبب في تقديري أن بني إسرائيل أمة تمثل في تاريخها المبكر وفي تاريخها المتأخر النشاط الإنساني الذي يعلو ويهبط، ويسفل ويرتفع وهي في حاليها يدركها من ثواب اللَّه وعقوبته ما ينبغي أن ينشر ويعلن في الآفاق، حتى يكون عبرة للناس إلى أن تقوم الساعة ... فهم في حالات ضعفهم وهزائمهم تعرضوا لمذابح ونكبات تقصم الظهور فصبروا على ذلك، وكان صبرهم تاريخًا يروى للمستضعفين من المسلمين بمكة، الذين يتحملون من التنكيل والتعذيب والهوان والسخرية من كبراء مكة ورؤسائها ما يجعل الأرض تميد تحت أقدامهم، فيسوق اللَّه لهم قصة بني إسرائيل وهم يرون أبناءهم يذبحون أمام أعينهم وهم يصبرون على ذلك، لا تذوب شخصيتهم ولا تمحى رغم الضعف الذي نزل بهم، ليتعلم الناس من بعدهما درسًا في الصبر على البلاء، والصمود أمام المتاعب ثم تجيء مع الصبر عقباه حيث يقول اللَّه في سورة السجدة المكية: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ، ثم يقول في سورة الأعراف: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} .

هذا استعراض لأحداث يوضحها اللَّه سبحانه وتعالى في أروع عرض، وأبلغ بيان أمام أبصار أهل مكة المؤمنين كي يتحملوا ما ينزل بساحتهم من عذاب ومتاعب في سبيل الحق الذي بين أيديهم، وكي يعلموا أن التعصب للحق والانتصار له يسببان بعض المغارم، وينبغي للمؤمنين أن يتحملوا هذه المغارم بجلد وصبر وقوة، وألا تنهار عزائمهم، أو تلين قناتهم، مهما أصيبوا حتى تنالهم مثوبة اللَّه، ويتوج صبرهم وصمودهم بالنصر الحاسم العزيز المؤزر.

وإلى العدد القادم إن شاء اللَّه.

مصطفى برهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت