والملابسات التي صاحبت قضية التخيير كانت ملابسات مثيرة. وساعة التخيير كانت ساعة عصيبة. وإمكانات تقلب النزعات البشرية كانت قائمة. فلا عجب إذا رأينا رسول الله يقدر خطورة الأمر فيأمر نساءه بالتأني والمشاورة. والنظر. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه. قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك - وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه- قالت: ثم قال: - إن الله تعالى قال: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ... إلى تمام الآيتين. قالت: فقلت له ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
واجتزن جميعًا هذا الامتحان الصعب بنجاح، وارتفعن بهذا معالم نيرة في طريق نساء العالمين، ورجال العالمين، وتقرر أن الإسلام قبل كل شيء (إحسان) وكلمة (إحسان) تشي بالعمل الذي بلغ أقصى درجات الجودة، كما تنم (بفتح التاء وكسر النون وتشديد الميم. أي تفصح تظهر) عن نفسية خيرة، ووجدان رقيق.
تكاليف هذا الاختيار
والبقاء في كنف النبوة أمر جليل، وشرف الانتماء إلى رسول الله الذي اخترنه، واخترن سبيله شرف مفدى (بتشديد الدال المفتوحة) يتطلب مواصفات عسيرة، وصلاحيات رائدة، وإيمانًا عاليًا يعين على الارتفاع فوق الشدة، وفوق الرخاء، وصبرًا، وصلاة، ويدًا طولي يستعان بها على مشاكل المجتمع، ونوازع النفس، وعقبات الطريق.
فلا بد إذن من تربية تصوغ النساء الأوليات وكل النساء صياغة ذهبية نقية.