فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 18318

فلما التحم جيش المسلمين بجيش المشركين: قاتل زيد قتالًا شديدًا حتى وقع قتيلًا، فتقدم جعفر، فاقتحم على فرس له فعقرت ثم تناول الراية وقاتل حتى قطعت يده اليمنى. فأمسكها بيده اليسرى. وقاتل حتى قطعت يسراه. فلم يلقها حتى خرَّ صريعًا وقد مزقت السيوف والرماح جسده. وأحصوا ما أصاب جسمه من جراحات فبلغت بضعًا وسبعين ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح.

وكان بلال رضي الله عنه مثالًا في الصبر وقوة الاحتمال. إذ كان من السابقين في الإسلام، فلما أسلم وكان المسلمون يومئذ قلة، تعرض للإمعان في التعذيب؛ لأن قريشًا كانت تغلي حقدًا على كل من أسلم وخاصة المستضعفين منهم.

فجعل أبو جهل يبطح بلالًا على وجهه في الشمس بمكة، ويضع الحجر عليه حتى يذوق أليم العذاب. ويقول له: اكفرْ برب محمد. فيقول بلال: أحد أحد. ومزج أليم العذاب بحلاوة الإيمان. وظل هكذا حتى اشتراه أبو بكر وهو مدفون بالحجارة يعذب بها. (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) .

وكما صبروا على تحمل الآلام في ساحات القتال، صبروا على الجوع وقت السلم. قال أبو هريرة: كنت ألصق بطني بالحجر من الجوع.

وقال سعد بن وقاص: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلا ورق الحبل (شجر العنب) .

على هذه الصورة كانت مقاومتهم لآلام الجسد، وبنفس هذه الصورة كانت مقاومتهم للعواطف والشهوات.

حدث سعد بن أبي وقاص عن نفسه، قال: كنت رجلًا بارًا بأمي فلما أسلمت، قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي. فقال يا أمي لا تفعلي فإني لا أدع ديني. قال فمكثت يومًا لا تأكل. فأصبحت وقد جهدت. فقلت والله لو كان لك ألف نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء. فلما رأت ذلك أكلت وشربت وفي هذه الحالة أنزل الله قوله الكريم: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت