فأي سلطان يبدل النفوس ويحيلها خلقًا آخر يلوذ بالصبر ويعتصم بالعزم أقوى من سلطان الإسلام؟
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لأسامة بين زيد خمسة آلاف درهم، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين فقال ابن عمر: آثرت علىّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد؟ فقال: إن أسامة أحب إلى رسول الله منك وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.
وكان عمر رضي الله عنه ينام على التراب، ويلبس الخشن من الثياب، ويعيش وهو في الخلافة على الصورة المتواضعة التي كان عليها قبل الخلافة كما كان ينفر من مظاهر الدنيا التي يحرص عليها أولو الجاه والسلطان.
ولما امتدت الفتوح الإسلامية في عهد عمر أرسل ملك الروم رسولًا إلى المدينة يستطلع أحوال أمير المؤمنين، ويقف على أموره من حيث المسكن والمعيشة والجند الذين حوله، فلما وصل الرسول إلى المدينة سأل عن عمر رجلًا في الطريق بقوله: أين ملككم؟ قال: ما لنا ملك بل لنا أمير. فقال أين قصره؟ فقال لعلك تراه نائمًا تحت شجرة أشار إليها. فذهب إليه ووجده نائمًا من دون حرس يحرسه فتعجب الرسول من هذا التواضع مع أن جيوش عمر دوخت الفرس والروم وقال مقالته المشهورة: (عدلت فأَمِنْتَ فنِمْتَ يا عمر) .
هذه لمحة من صبر المسلمين الأولين وثباتهم وقوتهم، مما مكن لهم في الأرض، ومنحهم المجد والعز والسؤدد، ومما أعده الله لعباده الصابرين.