ولقد عولجت هذه الآيات حتى ظن (بالبناء للمجهول) أنها استفرغت (بالبناء للمجهول) وأن معانيها استبانت وانتثلت (بالبناء للمجهول) فلم يعد هناك مزيد لمستزيد، ولكنه القرآن، لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. فهو بحكم كونه يخاطب ذوي البداوة السطحيين، وذوي الوعي الفطنين، وذوي التجارب من المتأخرين ودعاة العلمانية والمادانية المفتونين المغرورين: لا تنفد معانيه، ولا يجذ (18) (بالبناء للمجهول) عطاؤه.
ينهل كل جيل من فيضه الزاخر بقدر حجمه، ويعب كفاء خبراته وعلمه. فكلمات القرآن ستبقى حافلة بالمعاني، جامعة للهدى، مددًا ثرًا غزيرًا إلى يوم القيامة. كالشمس ترسل من شعاعها ما ترسل كل يوم. ولكن انتفاع الناس بأسرارها، وأضوائها، وطاقاتها يختلف من جيل إلى جيل إلى جيل. كذلك القرآن وصدق الله (وَلَو أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم) 27 لقمان.
بيئة الآيات الكبرى تطهر، وتحرر، وتبنى
والآيات تشكل قطاعًا في سورة البقرة التي تولي اهتمامها للمسلمين وقد تركزوا في المدينة جماعة مستقلة تبذر بذورها، وتعمق جذورها، وتعلى فروعها، وتمد ظلالها، وتتطلع كي تنشئ دولة فينانة طيبة الجنى، مهيبة، ذات شوكة. دولة تصمد أمام تحديات أهل الكتاب بكل ما جبلوا عليه من مكابرة وحقد وحسد، وتحريف للكلم، وقلب للحقائق، وغزوٍ للأفكار التي طالما انخدعت بهم وتأثرت بأكاذيبهم باعتبارهم أهل كتاب وعلم.