فالصيام ناحية العبادة فيه ظاهرة. وكمال الخضوع به لله بين. فالصائم يكف نفسه عن الشهوات التي تدعوه إليها غريزته وطبيعته. ويتحمل مشقة الجوع والعطش. لا رقابة لأحد من الناس عليه. والرقيب هو الله وحده. ولا باعث له على هذا إلا امتثال أمر الله، وأداء ما فرض الله، واستشعاره عبوديته لله، ووجوب طاعته، واعتقاده الجازم بكمال قدرته وقوة سلطانه. قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) 5 البينة وقال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) . 56 الذاريات
أما ناحية الرياضة النفسية في الصيام. فتتجلى في أن الصائم يروض نفسه على احتمال المشقات، والصبر على المكاره. والحياة كلها مشقات ومكاره، ومن لم يعد نفسه لاحتمالها واعتاد الترف وأخلد إلى الرفاهية، يضيق ذرعًا بالحياة كلما صادف فيها مكروهًا أو مشقة. فالإسلام يقصد إلى أن يكون الإنسان المسلم جنديًا لا ييأس إن أصابه جوع أو عطش. ولا يضجر إذا احتمل مكروهًا أو شدة. ولهذا كلفه أن يصوم رمضان من كل سنة ليعتاد حياة الجوع والعطش. وإلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصوم نصف الصبر. والصبر نصف الإيمان) وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) 10 الزمر فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغًا لا يدخل تحت وهم ولا تقدير. وهذا هو عطاء الإله إذا أضيف إلى جانبه الكريم، لأنه تعالى نسب الصوم له، وجعل جزاءه من عنده خارجًا عن جزاء الحسنات.