فهرس الكتاب

الصفحة 5503 من 18318

والإيمان بالغيب يتجلى أوضح ما يكون الجلاء في الأميين الأولين. فالغيب بالنسبة لهم غيب مطبق. وبالنسبة لغيرهم- من اللاحقين- غيب استأنس بالأضواء التي عكستها معارف السماء، والأرض. والقلب الذي يمتلك خاصية الإيمان بالغيب قلب مؤهل يطيق أن يقام فوقه صرح الإيمان بكل طوابقه وشعبه.

وخاصية الإيمان بالغيب تختلف في قوتها من قلب إلى قلب. فمن القلوب قلوب تعجز عن الغور والاستيعاب، وقلوب تستوعب، وتنفذ إلى عمق محدود ثم تلهث. وقلوب تذهب إلى نهاية الشوط

وكلما كان الغيبي أبعد عن التصور، وأدخل في عالم ما وراء الطبيعة كلما كان المؤمن به أجلى وجدانًا، وأعمق إيمانًا شريطة أن يعتمد ذلك الغيبي على أثر معتمد صحيح

وممن أمتلك خاصية الإيمان بالغيب في أعلى مستوياتها، الصديق رضي الله عنه. ومن رحاب هذه الخاصية استمد موقفه من قصة الإسراء والمعراج، ومن كل أخبار السماء.

ولمقام الإيمان بالغيب، ولشدة تأثيره في شعب الإيمان الأخرى، أشاد رسول الله بالآخرين الذين يؤمنون به ولم يروه، وعجب (بتشديد الجيم المفتوحة) من إيمان قوم يكونون من بعد، يجدون صحفًا فيها كتاب فيؤمنون بما فيها.

إن تحرير الوجدان بتحتيم الإيمان بالغيب، وتحرير الجنان بعقيدة التوحيد التي تعصمك من أن تذل فتتخذ من دون الله الأرباب (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُو سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة 31.

إنهما دعامتا كل الحريات التي يتيحها لك الإسلام الحنيف لتنطلق على أجنحتها نحو قمتك الشماء.

والإخلال بعقيدة التوحيد يورث التخبط، والشلل، والزلل إلى قاع سحيق (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) . 31 الحج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت