وقد روى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه من حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما في (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) قال أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا. فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. وهنا لب القضية وأصل الداء حيث وقع في الناس أبغض ما حرم الله وأشده نكارة وهو الشرك بالله. وهنا نحب أن نقف وقفتين: الأولى- كان بين آدم ونوح عشرة قرون كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد وقع من الناس خلالها كثير من المعاصي صغيرها وكبيرها مثل الحسد والبغضاء والشحناء حتى لقد وصل الأمر إلى حد القتل حيث قتل قابيل هابيل الذين ذكر الله قصتهما في سورة المائدة من الآية 27إلى 31 والتي بدأها قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ... .... الخ, ومع ذلك لم تكن الحاجة ماسة إلى إرسال الرسل لاقتلاع هذه الأدواء حيث كان المصلحون من بني آدم يقومون في الناس بالنصح والإرشاد وتوجيههم إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها والتي على غرارها وعند صفائها يعرف الإنسان الحسن من القبيح والمعروف من المنكر. ومن بين هؤلاء المصلحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكان الناس يتناصحون بنصحهم ويسترشدون بتعاليمهم. ووثق الناس بهم. فلما ماتوا تسلط الشيطان على الناس من خلال فرط حبهم لهم فأوعز إليهم باتخاذهم وسطاء بينهم وبين الله يسألون الله من خلالهم وقد نصبوا لهم أنصابًا في مجالسهم ورسموا صورهم حسب غواية الشيطان لهم قال ابن عباس رضي الله عنهما وهنا وقعت الجريمة التي لا تغتفر وهي الشرك بالله وسوء الظن به سبحانه وانتقاص شأنه جل جلاله ووصفه بما لا يليق به جل وعلا وهنا جاء دور الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.