ففي هذا الحديث أنه لما بذل المال لدفع الحد عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع المال إلى صاحبه وأمر بإقامة الحد. ولم يأخذ المال للمسلمين. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز. وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث. وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه (انتهى كلام ابن تيمية من السياسة الشرعية) .
فهذه حدود الإسلام أقامها الله حماية للوجود الإنساني. فهي تربية وتقويم يخافها من في طبعه ميل يغالبه نحو المعصية وهي كذلك تفتح باب الجنة لمن وقع فيها إن صدقت توبته بعدها. والله سبحانه قد أقامها على حرمات النفس والمجتمع:
فحد الردة حماية لحرمة الدين، وحد القتل، والقصاص حماية لحرمة النفس، وحد الخمر حماية لحرمة العقل. وحد الزنى والقذف حماية لحرمة الأعراض، وحد السرقة حماية لحرمة المال، وحد الحرابة لمن تسول لهم أنفسهم أن يشكلوا العصابات التي تنتهك سائر حرمات المجتمع وهي أشدها وأقساها وهي المذكورة في قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم) المائدة 33. وللحديث بقية.
محمد صفوت نور الدين