الناظر في هذا الكون يرى أنه كبيت كبير معد للسكنى والمعيشة فيه، السماء سقفه، والكواكب اللامعة والشمس المضيئة مصابيحه والأرض فراشه، وسائر الأشياء مرافقه، أو كآلة مصنوعة يتصل بعضها ببعض أتم الاتصال، انظر إلى السماء التي فوقك وإلى ما فيها ألست ترى أن الحياة تتطلب أجرامًا تضيء لنا السبيل ونهتدي بها في ظلمات البر والبحر ويعرف بسيرها المنتظم عدد السنين والحساب، وحرارة تنبعث من جسم كبير ملتهب جار تملأ هذا الجو الفسيح فنتقي بها عادية البرد وليلًا ونهارًا يتعاقبان للسكون والابتغاء من فضل الله. وانظر إلى الهواء الذي نستنشقه والذي يتحرك فيزجي الفلك إلى الجهات النائية ويسوق السحاب إلى الأرض الجدبة، وانظر إلى الحيوانات البرية كيف تغلب الإنسان عليها وذللت له تذليلًا ليبلغ عليها حاجته.
3 -أفتكون الخبطة العشواء والمصادفة العمياء مصدرًا لهذا كله، أم هل يعقل أن يكون المصدر كله آلهة متعددة كل منها يقول ويفعل ولا يسأل عما يفعل؟ (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) .
فكرة تعدد الآلهة فكرة ساقطة باطلة إذا أخذ بها المعنى التعدد في تكوين الأشياء وخلقها وتدبيرها، وكان المشركون في عصر نزول القرآن ينكرونها، وكذلك فكرة الإلحاد، ونريد به إنكار وجود الله.
ليس ينكر وجود الله إلا مكابر وليس يشك في وجوده إلا من شك في وجود نفسه ووجود هذا العالم (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) ويكفي في الرد، الرد بهذه الآية الكريمة: (أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون) .
وليس عند هؤلاء الملحدين من حجة إلا قولهم: إنا لم نر بأعيننا، ونسألهم: هل رأوا أرواحهم أم رأوا الأثير الذي ينقل الأصوات إليهم من أبعد مكان وأقصاه وإن قالوا لا، قلنا لهم: فليزمكم نفيه؛ لأنكم لم تروه بأعينكم.