والأيادي التي تمسك بزمام تلك التيوس، وتلعب بها مثيرة، وموجهة، تحرص على أن تحشو أديم (3) التيوس بمغالطات، وخدع تربيها (4) ، وتذكيها عقدة النقص التي تستحكم في أعماق كثيرين منا متولدة من الانتكاسة التي أصابت العرب والمسلمين منذ هجروا الدين، وجهلوا الدنيا، فخسروا الدارين.
ومن الحيل التي تلعب بها القوى المضادة للإسلام: المبالغة في تقدير العقل، حتى يمسي ربًا يعبد من دون الله والبغي في تقديس العلم حتى يخال إلها يرجى من دون الله.
والعقل نور روحاني. وهو- بحكم كونه نورًا- يكشف لك العلوم الضرورية والنظرية. ويحكم كونه روحانيًا يأنس بالغيبيات التي جاءت في القرآن أو السنة الصحيحة. يعبر هذه الحياة المحدودة إلى حياة أخرى لا تحد، وتجريد العقل من خاصيتيه، وجعله اليكترونيًا بحتًا يحيله إلى قيد يعقل (5) ويحبس في محيط محدود، ويجرده من أجنحته التي يضرب بها في الآفاق. وقوى العقل مستمدة من كل الطاقات التي ميز الله بها الإنسان من حواسه، ومداركه، ومشاعره، ومخه، وقلبه وروحه. فإذا عددنا العقل جهازًا قائمًا بنفسه مستقلًا فقد أوغلنا في الشطط.
والإنسان بكل قواه محدود الزمان، والمكان. والعقل جانب من جوانب هذا المحدود. أما ملكوت الله بشهادته، وغيبه، ودنياه، وآخرته، فغير محدود. والله الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها لم يكلف العقل أن يتجاوز حجمه. ولكنه أطلق له العنان كي ينشط في عالم الشهادة. وكفاه سبحانه عالم الغيب وتكرم فعرض أمامه من قضايا الغيب ومشاهد القيامة، ومن تاريخ ما قبل التاريخ ما عرض.
وواجب العقل أن ينظر، ويسير، ويستقرئ، ويفرض الفروض، ويحقق النظريات في مجالاته الدنيوية أما واجبه حيال الغيبات التي صحت فهو أن يخشع، ويؤمن. ولا بأس من أن يتبصر ويحاول أن يجد علة، أو يستنبط حكمة. أما أن يزن بقواه الثابت الصحيح فيقبل إن وافق الهوى، ويرد إن لم يوافق .. فهذا هو الجموح المردي وهو العقلانية المرفوضة.