فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
1 -تحريرًا من وطأة الفراغ بدأت سورة البقرة بالإشارة إلى الكتاب بأداة توحي برفعة المنزلة (ذلك) ثم جاءت كلمة (الكتاب) محلاة بـ (أل) الموحية بالاستغراق، والهيمنة، والاستئثار- دون الكتب الأخرى المتداولة- بكل معطيات كلمة (كتاب) والأوصاف التي تبعت الموصوف (الكتاب) تؤكد هذه المعاني، وتبين سر تميزه عن كل الكتب المتداولة، وهو انفراده بأنه (لَا رَيْبَ فِيهِ) وبأن تذوقه التذوق الكامل حظ المؤمنين المتقين (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) .
وهذا الأسلوب - بكل جزئياته الهادفة- فوق ما يحمل من هدايات .. صلصلة مثيرة كتلك التي كانت تواكب الوحي تنبيهًا، وتهيئة لنفس الرسول واستخلاصًا لوجدانه من كل ما يشغل.
والإشادة بالكتاب على هذا النحو تشد الانتباه، وتثير الأذهان المتعثرة في فراغ الأمية، ومتاهات الجاهلية. فما أشبه هذا الأسلوب الوجيز البليغ بحبل الإنقاذ تدليه إلى مترد في بئر سحيقة، ليتحسس، ويتعلق، ويلتمس أسباب النجاة من الوهدة الخانقة فإذا ضممنا إلى هذا ما تحدثه الأحرف المتقطعة (أل م) من إثارة وصلصلة زائدة، علمنا مدى اهتمام القرآن بانتشال الهائمين في درب الفراغ.
وتبلغ عملية الانتشال مبلغها بآيتي التحدي (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) 23 - 24 البقرة
وعندئذ تشرئب الأعناق، وتتطلع الأفئدة، وتعاد (بالبناء للمجهول) الحسابات، ويعظم الإحساس بوطأة الفراغ، وضرورة التماس المخرج. والمخرج يتمثل في هذا الحبل الممدود في هذا الكتاب الذي يلوح كما تلوح المنائر لمبحرين فقدوا الهدى في يم متلاطم الأمواج.