فهرس الكتاب

الصفحة 5697 من 18318

فالصوم حبس النفس عن الشهوات وفطامها من المألوفات وهو تعديل للشهوات استعدادًا لطلب سعادتها في حياتها الأبدية يكسر بالجوع شهوته فيتذكر الفقراء والمساكين اشفاقًا عليهم. ويضيق مجاري الشياطين.

والصوم حفظ للجوارح من المواد الفاسدة وحفظ للقلب من سيطرة الشهوات وعون على التقوى، وقد شرع الله سبحانه الصوم بقدر المصلحة نافعًا للعبد في دنياه وأخراه.

والصوم ليس انتقامًا من الصائم فالله يستثني من ذلك التكليف المريض والمسافر والعاجز عن الصوم (يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) .

ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرض الصوم على المسلمين إلى ما بعد الهجرة ففرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن توطدت النفوس على التوحيد وعلى الصلاة وألفت أوامر القرآن. فكان الصوم بذلك إصلاحًا وتزكية ومدرسة خلقية يتخرج فيها الإنسان فاضلًا كاملًا. زمامه بيده، يملك نفسه وشهواته ولكنها لا تملكه فلقد استطاع الإضراب عن المباحات والطيبات فهو بذلك أقوى على ترك المحرمات. ومن يترك الماء العذب والطعام الزكي لأمر ربه كيف يقرب السحت والرجس والنجس.

أما إذا تغلبت الطبيعة الحيوانية صارت المعدة القطب الذي تدور من أجله الحياة فلا تجد في عمره وقت صفاء ولا يقظة ولا يتجه إلى عبادة إلا متثاقلًا كسلانًا، كل شغله البحث عن فاتح الشهية ومزيل الحموضة وهاضم الطعام وهو يجلس على مائدة الطعام لم يغادرها يخطط لمائدة أخرى لا يصرف وقته ولا فكره في حديث له إلا عن الطعام (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت