وربما سأل سائل هل للبيت وجود قبل إبراهيم؟ والحق وبالله التوفيق إن إبراهيم عرف مكان إقامةالبيت قبل أن يذهب بولده. وعرف كذلك قداسة هذا الجزء يُستفاد ذلك من قوله تعالى: (إِنِّي أَسْكَنْتُ) قال الألوسي وغيره في تفسيره: المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان لوازم الحياة لمحض التقرب إلى الله والالتجاء إلى جواره الكريم ولإقامة الصلاة وتعمير مكة بالعبادة. من أجل ذلك أسكنهم. ولعلهم يشكرون.
ويقول ابن كثير: إن هذه البقعة أسست من أول يوم على توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به وعبادته وحده. فذكر تعالى أنه بوأ لإبراهيم مكان البيت أي أرشده وحدده له وأذن له في بنائه واستدل به كثيرٌ على أن إبراهيم هو أول مَنْ بنى البيت العتيق وأنه لم يُبْن قبله.
(وإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً للناسِ وأَمْنًا) أي أن هذه إرادة الله عز وجل مع ابتداء إقامة البيت. وقدم سبحانه هذه الغاية لأنها تسبق العمل، فالغاية من البناء أن يكون البيت مثابة للناس وأمنا. وقد صرح في الآية بذكر إبراهيم ومقام إبراهيم. وهو كناية عن البيت كله. ثم تجئ مرحلة البناء والتنفيذ.
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) : يقول أبو السعود: وإذ يرفع بصغية المضارع حكاية عن الماضى لحسن البيان. وهو استحضار الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعيان. فكأن السامع ينظرُ ويرى إلى البنيان وهو يرتفع. والبناء إبراهيم ومعه إسماعيل عليهما السلام.
يرفع القواعد: أي يضع الأساس ويرفع بنيانه. ومن مباحث اللفظ (القواعد) : جمع قاعدة وهي ما يقعد ويثبت ويقوم عليه البناء من الأساس. ورفعها إعلاء البناء عليها.