فلما أراد الله تعالى أن يقيل عثرة الإنسانية وينشلها من أوحالها، ويرد إليها ما عزب من رشدها، وما غاب من صوابها بعث إليها محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليدعوها إلى عبادة الله وحده، ونبذ كل ما كان يعبد من دونه، وأنزل معه كتابًا عزيزًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصَّل فيه الآيات تفصيلًا، وبين فيه الحقائق تبيينا، وضرب فيه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ما نسوا من حقائق الكون، وطبائع الأشياء وإلهام الفطرة، عسى إن تثوب إليهم عقولهم التي ران عليها الجهل وشلها الحرص على اقتفاء آثار الآباء، فيفرقوا بين صفات الخالق، وصفات المخلوق، ويعرفوا أيهما الخليق بالعبادة، وأيهما الجدير بأن يتوجه إليه الناس بالضراعة والدعاء.
في هذه الآية الكريمة التي ضرب الله فيها المثل لمن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره، بين تعالى أن الدعوة نوعان: دعوة حق، ودعوة باطل، أما دعوة الحق فهي الدعوة النافعة التي يسمعها المدعو ويستجيب لها، وهي التي يتوجه بها صاحبها إلى الله تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، لأنه هو السميع البصير، الذي بيده ملكوت كل شئ، وهو يجير ولا يجار عليه، وإن من شئ إلا عنده خزائنه، ولو اجتمع الخلق كلهم أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم في صعيد واحد، ثم سألوه فآتي كلا منهم سؤله ما نقص ذلك من خزائنه إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر.
أما دعوة الباطل فهي الدعوة التي لا تسمع ولا تجاب وهي التي توجه إلى غيره تعالى.
وغيره تعالى إما أن يكون حيًا أو ميتًا. أما الميت فقد انقطع عمله بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (إذا مات ابن آدم فقد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم نافع، وولد صالح يدعو له) . وإذا انقطع عمله لنفسه فأحرى أن ينقطع عمله لغيره.