فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأما الحى، فإما أن يكون غائبًا أو حاضرًا. فأما الحاضر فإن طلبت إليه ما يملكه كالمساعدة على رفع شئ ثقيل لا تقدر على رفعه وحدك، لم يكن هذا دعاء، بل هو من طلب التعاون على البر. وذلك مطلوب شرعًا.
وإذا طلبت إليه ما لا يملكه كتيسير الرزق وشفاء المريض، ومنح الذرية، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كانت دعوتك دعوة باطل وكانت مع ذلك شركًا مخرجًا من ملة الإسلام.
وأما الغائب فإنه لا يسمعك، ولا يعلم بدعوتك ومن اعتقد أن الغائب البعيد يسمع دعاءه كان ملحدًا في أسماء الله تعالى، لأنه نسب علم الغيب لغير الله تعالى. وإنما الغيب لله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) .
وإذا ثبت أن الغائب لا يسمع الدعوة ولا يعلمها فدعاؤه ضلال مبين وشرك بالله رب العالمين.
شبه الله هؤلاء الذين يدعون غير الله بشخص ظامئ وقف على شاطئ نهر وبسط كفيه إلى الماء يرجوه، ويسرف في الرجاء ويضرع إليه، ويلح في الضراعة، ويسأله ويبالغ في السؤال أن يخرج من مكانه بغير أنبوب ولا وعاء، ويسير في الفضاء كما يسير الضياء حتى يبلغ فاه، فينقع غلته، ويذهب حرقته، والماء ثابت في موضعه، لا يسمع ولا يستجيب. ويظل هذا المتعلق بالأوهام المخدوع بالأباطيل واقفًا في مكانه يقتله الظمأ، ويقضى عليه العطش، ولن يبلغ الماء فاه، ولن يبل صداه ولن يطفئ أوامه ولن يروى هيامه.
فلله ما أبلغ هذا التشبيه الرائع المصيب. ولله ما أروع هذا الكلام الذي يفيض بالحكمة، وتومض في خلاله دلائل الإعجاز.
ذلك مثل الذين يدعون غير الله فألق إليه بالك وأرعه سمعك ففيه ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أبو الوفاء محمد درويش