ظلوا يضربونه .. ويضربونه - حتى كلّوا، وملّوا، وتعبوا - لعله يعلن تراجعه أو استسلامه، ولكنه ما أبه، ولا تخاذل، على الرغم من قساوة التعذيب الذي صب عليه وضراوته! .. وعلى الرغم من عنف الضرب الذي عاناه وابتلى به والذي ظل أثره بيّنًا في ظهره إلى أن توفى .. كما يقول ابنه (صالح) !
ومع هذا كله .. وبرغم هذا كله .. عفا عن جلاديه، وعلى رأسهم المعتصم، يقول ابنه عبدالله: قال أبي: (وجه إلى الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياى) فقلت: (ما خرجت من داره حتى جعلته في حلٍّ! ) .
13 -لقد استمرت (محنة الإمام) ثمانية وعشرين شهرًا .. حتى جاء المتوكل عام 232هـ .. وكان رجلا معتدلا، فخالف ما كان عليه أسلافه ونعى عليهم ما كانوا يقولون به من (خلق القرآن) ، وما كانوا يأخذون به من فلسفة اليونان. وقد استبشر الناس بولايته حتى قال قائلهم:
ذهبت دولة أصحاب البدع
وتداعى بانصرام شملهم
هل لهم يا قوم في بدعتهم
ووهى حبلهم ثم انقطع
حزب إبليس الذي كان جمع
من فقيه أو إمام متبع
14 -أما الثلاثة الذين حرضوا على الإمام، فقد كان عاقبة أمرهم خسرًا .. فالذي تولى كبره منهم: الوزير محمد بن عبدالله الملك الزيات فقد وضعه المتوكل في (تنور) إلى أن مات سنة 233هـ.
وأما القاضي أحمد بن أبي داود فقد مات بالفالج سنة 240هـ بعد أن صودرت جميع أملاكه.
وأما بشر المريسي فقد مات من قبل سنة 219هـ.
وأما باقي جلاديه .. فهذا خبر واحد منهم: قال عمران بن موسى: (دخلت على أبي العروق الجلاد الذي ضرب أحمد لأنظر إليه فمكث خمسًا وأربعين يومًا ينبح كما ينبح الكلب) .
15 -ولما تولى (المتوكل) لقى منه (أحمد) كل إعزاز وإكرام وحب، واستمع إلى المتوكل يقول لأحد الذين صلوا على أحمد بن حنبل واسمه: (محمد بن عبدالله بن طاهر) .
- (طوبى لك .. صليت على أحمد بن حنبل) !!
16 -بقى علينا أن نقف وقفة قصيرة نعرف فيها بدعوى (خلق القرآن) ورأى (أحمد بن حنبل) فيها.