فالحسود ناقم على أقدار الله. قد عادى حكمته سبحانه (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَاءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ... وكم سبب الحسد في نفس صاحبه عقدًا نفسية تركت به أمراضًا لا تذهب آثارها، ولا تنتهي مضاعفاتها. والحسد يجعل من أصلب الرجال عودًا وأقواهم صحة مرضى قد ذبلت أجسامهم وضعفت قوتهم ووهنت أعصابهم. فآلام النفس أفتك بالأرواح من آلام الجسد، فقل لحاسدي الناس وذوي الأحقاد الذين سعوا في الأرض بالفساد: ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله مقسِّم النعم الذي لم يحرم أحدًا من فضله؟ وأن يستمع وجدانكم لقوله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فعلام الجشع والطمع؟ ولماذا الحقد والحسد؟ وقد خلق الله الناس متفاوتين في الأرزاق، مختلفين في الأعمار، متباينين في الأحوال، كتب سبحانه لكل إنسان ما كتب وسطر. وقضى له من هذه الدنيا بما قضى وقدر وكل ذلك خير له وإن خفى عليه. فلن يكون الإنسان مؤمنًا حتى لا يرى لنفسه تدبيرًا وتقديرًا مع تدبير ربه، وحتى يرضى بالقضاء والقدر فلا ييأس المحروم على ما فاته، بل يرضى بما قسم له، ويسعى ويبذل الجهد في الخير والعمل، وينقى صدره من الحقد والحسد، لأن القلب النقى السليم من أدران الحسد يقود صاحبه إلى السعادة في الدنيا والجنة في الآخرة.