ثم إنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نلمس من قوله: (إن كذا كذا ... طلبت كذا وكذا ... ولم يستجب لي الله، أو يقول لم يرفع الله عني الظلم أو يقول لم يشفي مريضي ... فإن النذر لا يقدم ولا يؤخر من قدر الله شيئًا) وقوله: (إنما يستخرج به من البخيل) لم يحث على النذر، بل توحي كلمة البخيل بالتنفير، وكلمة الاستخراج توحي بأنه يخرج الفعل منه لا عن عطاء وبذل، بل عن غير رضى ... علاوة على أنه لا يفعل شيئًا .. لا يقدم ولا يؤخر من قدر الله ... فهو - أي النبي صلى الله عليه وسلم - وإن لم يرغب فيه ولم يحث عليه، لم ينه عنه ولكن أدت تعبيراته إلى طلب القصد بل الزهد فيه ... ومن هنا أدعو إلى تقديم الدعاء على النذر، وقد روى البزار بإسناد صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح) وكما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء، علمت أن الإجابة معه) وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أفضل العبادة الدعاء) وقد قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) آية 63 - النمل.
فليكن توجهنا إلى الله بالدعاء خيرًا من النذر، ونعم الصنيع تقديم الطاعات والقربات على الطلب، فتوجه إلى الله متضرعًا خاشعًا ... واسأله حاجتك، وكن من المحسنين فقدم بين يدي دعائك الطاعة لله، من صلاة أو صوم أو صدقة، ثم اجتهد في دعائك .. وهناك أماكن أفضل من أماكن، وأوقات أفضل من أوقات ... إلخ فإن هذا ليس محل تفصيله ليكون الدعاء أقرب إلى الإجابة، والله أعلم، وله الأمر من قبل ومن بعد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه.
أبو الهيثم صقر جندية