فهرس الكتاب

الصفحة 5991 من 18318

فكيف تتشدق بالأمانة - مع كل هذه الملابسات - وكيف تنبرى بلا استحياء - لتذم الغدر والخيانة، ولتزعم أنها بنت الحسب، والنسب، وربة الصون، والعفاف، ثم لتعلن في تواضع أنها لا تبرئ نفسها. كيف وفيها من تراث الجنس ما فيها؟ ولقد تغيب يوسف عن الجلسة الملكية التي أعلن فيها براءة يوسف. ولكن هل يمنع هذا من أن ينقل الله إلينا ما حاك في صدر يوسف، وما جرى به لسانه ساعة علم أن الحق حصحص، وأن الخصوم اعترفوا؟ ألم يحدثنا القرآن عما أسر يوسف في نفسه؟ (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُون) يوسف 77.

حكى ابن كثير أن يوسف أسر في نفسه مقول القول كله أي: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُون) ومعنى هذا أن ضمير المفعول في (فَأَسَرَّهَا) يعود على غير مذكور قبلا، إلا أن الإضمار قبل الذكر كثير في كلام العرب من ذلك قول الشاعر

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر

وحسن فعل، كما يجزي سنمار

ونسب العوفي هذا الرأى إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وحكى القرطبي عنه أن يوسف أسر في نفسه كلمة (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) ثم جهر فقال: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) .

إن الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، هو سبحانه الذي نقل إلينا خلجات نفس يوسف، فلا عبرة لما قيل من أن يوسف كان غائبًا عن جلسة الاعتراف والبراءة.

يتبع

بخاري أحمد عبده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت