قالوا: وكأنها لما أقرت أحست بوطأة العار، وخشيت أن تتهافت أمام نظرات الازدراء والاستنكار، فتلافت كل هذا، وتغنت بتأصل فيها، وأن ما حدث كان مجرد نزوة عارضة. فليعلم العزيز ويوسف، وليعلم الجميع أن امرأة العزيز لم تزل انطلاقًا من بؤرة خيانية، متقيحة، بل الأمر مجرد سكرة اعترتها، فأفقدتها الوزن، وسلبتها الرشد، فتمايلت، وترنحت، ثم تمالكت.
وقالوا: إنها فطنت إلى أن المقام مقام أوبة، وندم، وأن في قولها من تزكية النفس ما فيه، فعادت تقرر أنها مذنبة، إلا أن محنتها محنة النفس والبشرية المخلوقة من صلصال من حمأ مسنون، طيه شوائب، وأوضار. قالوا: وذلك قولها: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) .
فالنفس بطبعها تحن، وتترنح، وليس لها من عصمة ذاتية تمنعها إن لم يتغمدها الله برحمته (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) .
وأيد القائلون بهذا مذهبهم بأن السياق كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، في غيبة يوسف.
وظني أن نسبة العبارة (وَمَا أُبَرِّئُ) إلى امرأة العزيز - وإن قال به الأكثرون - لا يتمشى مع سياق القصة. فالقصة تسجل أنها غوت، وهوت، وتسلطت، وكذبت، وتبجحت، فجاهرت برغبتها أمام النسوة، وكادت، وظلمت، وهي بلا شك كانت راغبة في المحظور الأكبر الذي لم يقع - رغم توفر الدوافع، وتأجج الرغبة - لأمر خارج عن إرادتها (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) .