فهرس الكتاب

الصفحة 6033 من 18318

والمراجعة - دائما - مدد للمحات جديدة، ومما تراءى خلال هذه المراجعة الأخيرة: أن العصبة كانت تبطن لشقيق يوسف غير ما كانت تبطن ليوسف عليه السلام. كانت تتمنى في قرارة نفسها أن لو أزيح (بنيامين) من طريقهم حتى يخلو لهم وجه أبيهم تمامًا. وهذا الإحساس الباطني حملهم على أن يصيحوا - مصدرين الحكم - فور أن سئلوا: ما جزاؤه؟ (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ولم لا؟ وقد سنحت فرصة شرعية ثمينة، تريحهم من ريح يوسف التي يشتمها أبوهم كلما لقى بنيامين، يجدها تتصاعد من أعطافه، وتتمثل في نبراته، ونظراته ... الخ.

والتدبير المحكم الذي دبره يوسف عليه السلام ليحتجز عنده أخاه، تطوير بنوى لروح التآمر الذي جبلت عليه سلالة إسرائيل، بل ارتقاء بحيلة الختل، والمكر، والاستعداد العجيب لحبك المؤامرات كي تتحول إلى تدبير ذكي، وتسخير لموهبة التآمر في إحقاق الحق، وكشف المبطلين.

وإعلاء الغرائز الدنيا، وشكم شرة النزعات العرقية أمر صعب، يعيى طاقات البشر إلا أن يصاحبها توفيق الله، وإشارة إلى أن توفيق الله كل يرود يوسف عليه إسلام وهو يدبر ويكيد، نسب المولى الكيد، والتدبير إلى ذاته، فقال: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) .

لا تكلني إلى نفسي، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين

والنفس البشرية إذا جانبها التوفيق، مضت تتمايل على دقات الشيطان، وتتبختر في أطواقها، وإشارة إلى أن النفس لا تتمتع بحصانة ذاتية، وأنها لا تبرأ من أدوائها البرء كله، إلا بفضل الله وحده قال يوسف: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) تأكيدًا لاعترافه المتضرع السابق: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت