وقد لاحظنا في العادات بعض التصرف الذي يدل على التنطع من المتنطعين , فتراه إذا دعى إلى طعام وليمة أو عقيقة , وجاء مع الطعام ملاعق , رفض أن يأكل بها بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل بها. ونقول لهذا المتنطع إن الأكل باليد أو بالملعقة جائز , واستعمال الملعقة من المباح شرعًا. وليس فيه حرمة أو كراهية , لأنها عادة لا عبادة. ولماذا يأكل المكرونة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكلها؟ لعدم معرفتها زمن الرسالة , وهي تشبه استعمال المركبات الحديثة كالقطار والسيارة والطائرة. والدين الحنيف لم يحرم إلا ما فيه ضرر وخالف الفطرة وجاء نص بتحريمه. أفلا تعقلون؟
لا نريد تشويه الدين بهذا الغلو أو التنطع في العادات، كالتزام لباس معين، في ثيابه أو ستر رأسه. فقد عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مع الرأس استعمل العمامة أو القلنسوة , وفي الثياب استعمل الرداء والإزار , واشتمل بالشملة , واستعمل البردة , والعباءة , والقميص. ولم يلتزم شيئًا معينًا يميزه عن غيره من الناس.
وختم الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث بقوله (واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة) فيه توجيه كريم إلى الاستعانة على العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة.
وإذا كان عليه الصلاة والسلام قد اختار أطيب أوقات السفر , لحصول النشاط فيها , فإن هذه الأوقات أروح ما يكون البدن للعبادة، والله أعلم.
ما يستفاد من الحديث
1 -القصد والاعتدال في كل شئ حتى العبادات.
2 -سماحة الإسلام ويسره وسهولته في كل ما أمر به أو نهى عنه.
3 -النهى عن الغلو والتشدد والتنطع , ليسر الدين وسماحته.
4 -أن التنطع في الدين يأتي بنتيجة عكسية، كمن يقاوم النوم بالليل للتهجد , إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في جماعة، أو نام حتى طلعت الشمس. وكل شئ زاد عن حده انقلب إلى ضده - والله ولى التوفيق.
محمد علي عبد الرحيم