وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بهذا النظر، وهذا التفكر، فقال سبحانه: (أوَلم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) الأعراف: من الآية 185. (فانظرْ إلى آثار رحمة الله) الروم: من الآية 50. (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات: 20، 21. وجعل هذا النظر والتأمل عبادة.
وسور الحمد التي بُدئت بإثبات الحمد لله، كما عرفت - في صفحة9 من عدد شهر المحرم 1394هـ- غير الفاتحة سور أربع، هي: سورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة سبأ، وسورة فاطر، وبذا تكون سور الحمد خمسًا: اثنتان في النصف الأول من القرآن الكريم (الفاتحة والأنعام) وواحدة في منتصفه (الكهف) واثنتان في النصف الأخير (سبأ وفاطر) وكلها مكيّة، نزلت في بدء الدعوة إلى التوحيد، واعتقاد أن الله هو مصدر كل خير يصيب الإنسان من جهة حياته المادية، وحياته الروحية، وكان ذلك بمثابة تمهيد يغرس في النفوس الإقبال على الإيمان، ويهيئها لاستقبال ما سينزل من التشريع بعد في رضا واطمئنان، وطاعة وخضوع.
ومما تجدر ملاحظته أن هذه السور الخمس قد دارت حول بيان ربوبية الله للعالم من ناحيتيها: الخلقية، والتشريعية، وأن سورة الفاتحة قد أجملت ذكر هذه الربوبية من هذين الجانبين، وأن السور الأربع الأخرى جاءت كتفصيل لهذا الإجمال.
فبينما تبدأ الفاتحة بـ (الحمد لله رب العالمين) فتعم تربية الخلق والتشريع، وتتبعه بما يؤكد هذا المعنى في الجانبين بإجمال - نرى أن سورة الأنعام - على طولها - تتحدث في تفصيل عن الناحية الأولى من ناحيتي الربوبية، وهي ناحية الخلق والإيجاد، كما يشعر بذلك أولها: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) .
ونرى سورة الكهف تتحدث في تفصيل كذلك، عن الناحية الأخرى للربوبية، وهي ناحية التشريع، كما يشعر بذلك مطلعها: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .. ) .