وفي تقديمي لكتاب (الفتوى في الإسلام) للقاسمي طرقت فنونا متعددة من الضلال الذي يتعرض له المفتى، ومن هذه الألوان هذا اللون الذي يهمنا في حديثنا عن البدع، وهو ضلال الهوى، فإن وظيفة (إبليس) الرئيسية - لعنة الله عليه - هي تزيين الباطل، وتحبيب الشهوات، وصرف الناس عن المكاره إلى الأهواء، ولقد تظهر لك هذه المهمة حين تقرأ قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) .
وهذا اللون من الضلال يعرض للمفتى حين يميل بهواه إلى المستفتي، وقد حذر منه الأصوليون من قديم، قال ابن حمدان في كتابه (صفة الفتوى) : ( .. وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه، ووجوه الميل كثيرة لا تخفى، ومنها أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما هو عليه) .
طبيعي - إذن - أن يقود الهوى صاحبه إلى مزالق، خصوصًا إذا امتزج به حب الشهرة، والتشبث بأذيال الرياسة والشرف، فإن هذا هو أفسد الفساد، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على ذلك فيقول:
(ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص أحدكم على المال والشرف لدينه) .
وهل تجد أفسد للغنم من الذئاب؟
فكيف إذا كانت جائعة؟
وكيف إذا أرسلت إرسالًا ولم تمسك؟
وكيف إذا كانت غنمًا بلا راع؟
فكذلك - بل أشد - إذا تمكن من الرجل الحرص على المال والمكانة!
تزيين البدع:
من أجل ذلك فإن خطورة أن يتمسك مثل هذا الرجل الذي وصفنا بتلابيب أمر الفتوى - خطورة لا تندفع، إذ أنه قد يصنع للباطل قانونًا، وللبدعة شريعة، وقد أدرك جانبًا من هذه الخطورة جماعة من السلف رضوان الله عليهم، يقول ابن الحاج المالكي في (المدخل) (وليحذر أن يغتر العالم أو يميل إلى بدعة لدليل قام عنده على إباحتها من أجل استئناس النفوس بالعوائد أو بفتوى مفت قد وهم أو نسى أو جرى عليه من الأعذار ما يجرى على البشر، وهو كثير) .
وهذه العبارة تسجل عاملين من عوامل انتشار الفتوى بتزيين البدع، هما: