فقد روت كتب السنن أنه كان يأكل الخبز بالتمر، والخبز بالخل، وإن لم يجد شيئًا صبر، حتى أنه يشد الحجر على بطنه الشريف من شدة الجوع، وكان يمر عليه الهلالان والثلاثة ولا يوقد في بيته نار. هذا عن مأكله.
أما ملابسه: فكانت من القطن، وفي بعض الأحيان كان يلبس الصوف والكتان، ومهما حضر وتيسر اكتفى به جبة كان أو قميصًا.
وأما نومه: فكان صلى الله عليه وسلم ينام حينًا على الفراش، وحينًا على النطع، وحينًا على الحصير، وحينًا على الأرض مجردًا، وفراشه من أديم حشوه ليف عوضًا عن القطن.
هذا هو رسولنا الزاهد الكريم، وليس كما يتقول المتقولون أو يدعي المبتدعون ويزيف المضللون. بل لقد رأينا من زهاد المسلمين وكان خطيبًا مفوهًا بليغ الأثر والتأثير في سامعيه ويجمع بين شمائل جمة وخصال شتى، أعلاها منزلة الزهد والورع. يقول عنه سفيان الثوري: (لو جهدت جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر) .
أما الخصيصة الرائعة التي ترتبط به وتبرزه كبطل من أبطال الإسلام - أنه كان إلى جانب كونه عالمًا من علماء الدين وزاهدًا من زهاد المسلمين، كان فارسًا مغوارًا يخرج مع الجيوش الغازية في سبيل الله، يجاهد بسيفه ولسانه يعظ الجنود ويحمسهم للقتال ويلقي على الناس الحديث في الثغور، وهنا نجد الرد العملي الذي يصحح الفكرة التي أشاعها المستشرقون زهاد المسلمين وعبادهم - وهي أنهم كانوا سلبيين لا يشاركون في الواجبات الوطنية ظانين أن زهد المسلمين كان يفصلهم عن الحياة على شاكلة زهد الديانة المسيحية وما ارتبط بها من رهبانية، وهو ظن واهم، فإن زهاد المسلمين وخاصة الأولين لم ينفصلوا عن الحياة، بل كانوا يتصلون بها ليكسبوا قوتهم ويعيشوا من كسبهم لا مما يلقى إليهم من فتات الموائد. - (الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الأول ص304)