فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 18318

هذه هي صورة زاهد من زهاد المسلمين الحقيقيين، الذين كانوا يسارعون إلى تلبية نداء الجهاد ويتقدمون الصفوف المجاهدة طلبًا للاستشهاد في سبيل الله، لأنهم يرون أن الجهاد في سبيل الله أروع وأعظم عند الله من نسك النساك، وعبادة العباد.

إن فكرة الجهاد في سبيل الله وارتفاع منزلة المجاهد عند الله على منزلة العابد الزاهد نراها عند ابن المبارك في تلك الرسالة الشعرية التي بعث بها وهو بطرسوس يحارب الروم إلى الفضيل بن عياض الناسك المشهور الذي كان قابعًا مجاورًا بمكة يقول فيها:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

من كان يخضب جيده بدموعه

أو كان يتعب خيله في باطل

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا

لا تستوي أغبار خيل الله في

هذا كتاب الله ينطق بيننا

لعلمت أنك في العبادة تلعب

فنحورنا بدمائنا تتخضب

فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

رهج السنابك والغبار الأطيب

أنف امرئ ودخان نار تلهب

ليس الشهيد بميت لا يكذب

فابن المبارك العابد الزاهد، المحارب المجاهد، يؤمن بأن الجهاد في سبيل الله فوق العبادة، استنادًا إلى قول الله العزيز الحكيم: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) النساء: من آية 95، وقوله: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا) آية 95 من سورة النساء، حتى ليعد التعبد بالقياس إلى الجهاد ضربًا من اللعب، فإذا كان الناسك يقدم لربه الدم ويستشهد المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا) رواه البخاري.

كما يشير إلى قول الله عزّ وجلّ: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) سورة آل عمران الآية 169 - 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت