ثم يواصل رحمه الله استخلاص الدروس من هذا الحديث قائلًا: (وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت"ولشأنى في نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله رؤيا يبرؤنى الله بها"(2) فهذه صديقة الأمة، وأم المؤمنين وحب رسول الله، وهى تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون، مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها، فما ظنك بمن صام يومًا أو يومين أو شهرًا أو شهرين، وقام ليلة أو ليلتين وظهر عليه شىء من الأحوال ولاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وإجابة الدعوات، وأنهم ممن يُتبرك بلقائهم، ويُغنم صالح دعائهم، وأنهم يجب على الناس احترامهم، وتعظيمهم، وتوقيرهم، ويُتمسح بأثوابهم ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم بالمكانة التى ينتقم الله لهم لأجلها ممن ظلمهم في الحال وأن يأخذ من أساء الأدب معهم من غير إمهال.
وهم يرون أن الإساءة إليهم ذنب لا يكفره إلا رضاهم، ولو كان هذا من وراء كفاية لهان الخطب ولكن من وراء تخلف!
وهذه الحماقات والرعونات نتائج الجهل الصميم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل مُعجب بنفسه غافل عن جُرمِه، مغترٍ بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والإزراء على من لعله عند الله خير منه، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وينبغى للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا وهو عند الله حقير.
انتهى كلامه رحمه الله وهو لا يحتاج إلى تعليق، ولكن يمكننا تلخيص الدروس المستفادة من كلامه كالتالي: -
-أن الله يرفع بالبلاء أقوامًا ويخفض آخرين، وقد يأتى الخير مما يراه الناس شرًا.
-خفض الله من شأن المنافقين وحقرهم وفضحهم في العالمين.
-زكى الله أمنا عائشة وهى الزكية الطيبة ورفع ذكرها بين العالمين.