ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التى لا تعرف إلا من المعصوم. وابن عباس لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات فثبت الاحتجاج بها. والحكمة في هذا التنزل لا نعلمها على وجه اليقين ولسنا مكلفين بمعرفتها. وأبلغ الظن أنه تفخيم لشأن القرآن الكريم، وشأن من نزل عليه، بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم.
ومن الأصول المقررة أنه لا ينبغى علينا أن نتتبع ونستقص ما طواه الله عنا فنتكلم فيه برأينا.
وقد ذكر الشاطبى في أوائل كتابه (الموافقات) أن العلوم ثلاثة:
علم هو من أصل العلم. وعلم هو من مُلح العلم. أى من مكملاته وعلم ليس من أصل العلم ولا من ملحه. وهو تتبع ما طواه الله عنا من الحكم المترتبة على بعض الأخبار والمناسك وغيرها، فلا نقطع بالحكمة التى من أجلها نزل القرآن في اللوح المحفوظ أولًا ثم إلى بيت العزة ثانيًا، ولا بالحكمة من وراء تقبيل الحجر الأسود أو رمى الجمار ونحو ذلك.
بقى علينا أن نتكلم عن التنزل الثالث من تنزلات القرآن وهو نزوله من بيت العزة على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - على حسب الحوادث ومقتضيات الأحوال، وعلى حسب ما تتطلبه الحاجة في وقتها.
3.والذي يجب الجزم به أن جبريل نزل بألفاظ القرآن المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس وتلك الألفاظ هى كلام الله وحده، لا دخل لجبريل ولا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في إنشائها ولا في ترتيبها.
فالألفاظ التى نقرؤها ونكتبها هى من عند الله، وليس لجبريل - عليه السلام - في هذا القرآن سوى حكايته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - سوى وعيه وحفظه وتبليغه، ثم بيانه وتفسيره، ثم تطبيقه وتنفيذه.
وقد تلقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله بواسطة جبريل - عليه السلام - بقلبه، إذ هو المالك لجميع جوارحه به يسمع، وبه يعقل، وبه يبصر.