إن مثيرى هذه الفرية يؤكدون جهلهم حيث يستشهدون لفريتهم بما يدحضها ويستدلون لها بما يبطلها، فهم يرون أن عدم صلاحية الشريعة للعصر، لأن أساسها الوحي، ومصدرها الأول النصوص الدينية التى لا تملك المسلم إزاءها إلا السمع والطاعة، وليس له خيار في قبولها أو رفضها، ولا فرصة تغييرها أو تعديلها.
أما اعتماد الشريعة على الوحي، وأن مصدرها النصوص الدينية، فهذا حق، وأما أن ذلك هو سبب عدم ملائمتها فهذا باطل، إذ يستحيل أن يوحي الله عز وجل بشريعة عامة وخالدة توقع الناس في حرج أو ضيق أو تعجز عن مواجهة الجديد من أحوال الناس وقضاياهم وأوضاعهم، وهى التى تنادى بالتيسير ورفع الحرج والعسر عن الناس.
ثم كيف تستمر الشريعة صالحة على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا مع اختلاف البيئات، والثقافات، والأجناس، والحضارات، وتقدم على طول هذه المدة أحكامًا تشريعية مناسبة مستمدة من أصولها وقواعدها العامة، ثم تتوقف فجأة والأرض هى الأرض والناس هم الناس، وهل تغير شيء غير انتحال المبطلين ومفتريات الضالين.
إن النصوص الدينية لم تكن قيدًا في أى بيئة ولا عصر ولا قيدًا أمام أى مجتهد بل على العكس من ذلك كانت وما تزال وستظل منارات الهداية وحواجز تحول بينهم وبين الشر، إنها صمام الأمان في مواجهة هذا الفساد العارم والضلال الطاغي.
وإذا كان المسلمون قد قصروا في الاجتهاد ومواجهة العصر بأحكام الشريعة فهذا ذنبهم، وسيسألون عنه، أما الشريعة فبريئة من كل ما نسب إليها من تقاعد المسلمين وتغافلهم وجهلهم أو تجاهلهم.
إن باب الاجتهاد فتحته الشريعة وسيظل مفتوحًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويجب أن يقوم به كل من تتوفر فيه أدواته، ويكون أهلًا لذلك، وإذا لم يتوفر ذلك في آحاد الناس ففى اجتماع علمائهم وتبادل آرائهم ما يجيب عن كل مشكلة ويتسع لكل قضية، فالرأى إلى الرأى نور وضياء، ولن تجتمع الأمة على ضلال أو خطأ.