تقدم الزمن (خلال القرن التاسع عشر) إذن والدراسات الاقتصادية تتراكم ويشيع فيها قدر من التردد والاضطراب فيما بين تفكير القرون الوسطى وبين نزعات الثورة الصناعية والثورة الفرنسية. ومن ذلك مثلًا أن عاد رجال السياسة والحكم وكذلك التجار رجال الأعمال إلى النظر من جديد في مشكلات النقود والتجارة الخارجية، عادوا بنشاط يفوق ما سجله التاريخ لأشباههم ونظرائهم حول القرن الخامس عشر، ومن ثم لم يتوافر للدراسات الاقتصادية قدر من الارتفاع. فوق الأهواء الشخصية والمصالح المتعارضة .. ولذلك تزايدت الصعاب على الطريق .. طريق الفكر والتدبر في الأمور الإنسانية .. على حين أن هذا الفكر بالذات (أعني القوة العاقلة المدبرة في الإنسان) - هذا الفكر كان ينتقل من نجاح إلى توفيق في الصناعات والفنون التطبيقية .. وهكذا اصطبغ القرن التاسع عشر (بوجه خاص) بصبغتين: إحداهما مزيد من القدرة على الإفادة بموارد الطبيعة وهباتها والأخرى مزيد شقاء الإنسان!!
ولربما يقال بأن اشتغال رجال الحكم ورجال الأعمال بشئون الاقتصاد أي بأمور تتصل بإنتاج الثروة وبعدالة التوزيع بين الأفراد وبين الشعوب. قد كان خيرًا للإنسانية إذ هؤلاء الساسة والتجار يجمعون بين التجارب ووفرة الاتصالات، ولهم من هذا كله معين على حسن التقدير. ولكن التاريخ حفظ لهم غير ذلك؛ لأن كل فرد منهم قد كان يعتز بخبراته الخاصة ويطيل له أن يقتنع بها ثم يبني عليها حكمًا عامًّا. وسنرى أمثلة عجيبة من مدارس الفكر الاقتصادي التي قعدت لهذا (العلم) كما يقولون .. أو لهذه الدارسات إذا أردنا دقة التعبير.
سنرى أمثلة من تعميم القواعد استنادًا إلى مشاهدات فجة أو دراسة سطحية لبيئة صغيرة أو أحداث عارضة في ظروف بعينها. أما الأهواء والمصالح الخاصة لفرد أو لشعب أو لجنس من البشر. فهذه أيضًا تركت بصمات واضحة على صفحات التاريخ الاقتصادي للعلم وللأحداث جميعًا.