5.كذلك نزل القرآن منجمًا لمواكبة الحوادث، وهى متجددة متعددة، فكان كلما جد جديد من الأمور المصلحية التى تتعلق بمصالح العباد في العاجل والآجل، جاء حكم الله فيها فيرسخ في النفوس، وتتجاوب معه وترتضيه.
وفى القرآن الكريم آيات كثيرة نزلت على سبب أو أكثر، إذا جهل سببها لا يعرف حكمها، على ما سيأتي بيانه في أسباب النزول، فكم من قضية توقف النبي صلى الله عليه وسلم في البت فيها، حتى نزل في شأنها قرآن يتلى، فكان ما نزل فيها تقريرًا شافيًا، وحكمًا عادلًا، لا يستطيع أحد رده، ولا يسع المسلمين إلا قبوله والرضى به.
6.وهناك أمر آخر يغفل عنه كثير من أهل العلم في حكمة التنجيم وهو الدلالة على الإعجاز البياني، والتشريعي للقرآن، فإنه وإن كان قد نزل مفرقًا في نحو ثلاث وعشرين سنة وفى أوقات متباينة وأحكام مختلفة، وحوادث متعددة قد رتب ترتيبًا عجباُ لا نرى فيه بترًا، ولا خللًا بين آياته، ولا تنافرًا بين ألفاظه، ولا تناقضًا في معانيه، ولا اختلافًا في مقاصده ومراميه.
"كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود: 1) .
إنه كلام الله تعالى قد استوت ألفاظه ومعانيه على محجة بيضاء، لا يعرف الناس لها عوجًا ولا أمتًا، وانتظمت في عقد فريد لا يبلغ كلام أحد شأوه، ولا يعرف كنه جلاله وجماله إلا من أنزله.