وبيان ذلك أن الآية أو الآيات قد تنزل مثلًا لتفصل بين متخاصمين وقع بينهما شجار، أو تكشف عن مكيدة صنعها بعض المنافقين، أو تتحدث عن مقوله قالها أحد المشركين، أو ترفع شبهه أدلى بها بعض المغرضين أو تزيل ريبًا وقع فيه بعض المؤمنين، أو تبت في شكوى توجه بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعض المظلومين، أو تجيب عن سؤال، أو تمنى صدر عن واحد أو أكثر من المسلمين أو المشركين ونحو ذلك مما سيأتى بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
والمراد بقولنا (أيام وقوعه) أن الحادثة أو السؤال لا يصلح كل منهما سببًا للنزول إلا إذا نزلت الآية أيام وقوعه، أو بعده بقليل فهو قيد في التعريف لا بد منه للاحتراز عن الآية أو الآيات التى تنزل ابتداءً من غير سبب، والتي تتحدث عن حوادث ماضية سبقت نزول الآية بزمن بعيد لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة - كما يقول علماء الأصول - واحترازًا عن الآية أو الآيات التى تتحدث عن حوادث مستقبلة تقع بعد نزولها.
هذا: وقد اعتمد العلماء في معرفة أسباب النزول على صحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا إذا كان صريحًا لا يكون بالرأي بل يكون له حكم المرفوع.
وذهب السيوطى إلى أن قول التابعين إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه يقبل، ويكون مرسلًا، إذا صح السند إليه، وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة كمجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير واعتضد بمرسل آخر.
والصيغة التى يعرف بها سبب النزول إما أن تكون نصًا صريحًا في السببية وإما أن تكون محتملة.
فتكون نصًا صريحًا في السببية إذا قال الراوي: (سبب نزول الآية كذا) أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة، أو السؤال، كما إذا قال: (حدث كذا) أو (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا فنزلت الآية) فهاتان صيغتان صريحتان في السببية.