يقول سبحانه: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا) .
والشرط الفذ الذي نوه به القرآن ليتحقق هذا الرجاء هو قوله سبحانه: (يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) وبعد أن ألمح إلى أركان هذه العبادة المفروضة أومأ إلى قوى المبطلين بازدراء، وبين أنها ستذوب في حرارة الإيمان المنتصر آخر الأمر (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير) إن النصر حليف دائم للإيمان الحق لا يمكن أن يتخلف عنه أبدًا، ولقد ذاق المسلمون في تاريخهم المديد حلاوة النصر وآلام الهزيمة فهل كانت انكساراتهم لتخلف في مواعيد الله؟
كلا إنهم هم الذين أوهنوا علاقتهم بالله، فلما ارتابت قلوبهم وضعف إيمانهم تخلت عنهم العناية الإلهية. قرأت هذا التعليق على جهاد نور الدين زنكي ضد الصليبيين القدامى أنقله بحروفه لعل فيه عبرة:(كان الإفرنج قد ملكوا أكثر البلاد منذ خمسين سنة، وكانوا أعداد الرمال تمدهم أوروبا كلها بما يشد أزرهم ويضمن غلبهم، وحسب الناس أن هذه الغمة لن تزول، فما هي إلا أن ظهر الرجل الذي نشر راية القرآن، وضرب بسيف محمد، حتى عاد النصر يمشي في ركاب المسلمين، وعاد أمرهم إلى الزيادة، وأمر الصليبيين إلى النقص، وبذلك يكون لنا كلما شئنا النصر!
إن راية القرآن لم تهزم قط، ومن هزم من أمراء المسلمين في هذا التاريخ الطويل إنما هزموا لأنهم كانوا يستظلون برايات المطامع والأهواء والعصيان والأحقاد ما استظلوا براية محمد.
وكانوا يضربون بسيف البغي والإثم والعدوان ما ضربوا بسيف محمد. إنه ما ضرب أحد بسيف محمد ونبا في يده سيف محمد! ).