فأما التي في سورة الرعد فقد أحصت الآثار العلمية في الأخلاق والسير وعدتها الامتداد الطبيعي للعقل المؤمن (إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) .
وأما التي في سورة آل عمران فقد تعرضت لمنابع الإيمان من ذكر وفكر ودعاء ولضوابطه من جهاد وهجرة وتضحية: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض) إلى أن قال: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقُتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم) .
والآيات الكريمة في كلتا السورتين تصف ناسًا معينين، وإنما تختلف الأوصاف باختلاف المواقف والمناسبات، وما يستغني مؤمن في حياته الخاصة والعامة عن كل ما ذكر الله جل شأنه هنا وهناك.
قد تقول: لكن هذا الالتزام الدقيق سيجعل أصحابه غرباء مستوحشين بل قد يجعلهم ضعفاء مغلوبين! فإن القافلة البشرية تسير تحت رايات وشارات غير ما تقرر هنا، وإذا لم يتهاون أهل الإيمان في بعض مواريثهم هانوا وتنكرت لهم الدنيا!
وأقول: هذا هو الهراء الذي لا يثمر إلا خزي الحياتين والذي أنطق المفرط القديم بهذا البيت النادم:
بعتُ ديني لهم بدنياى حتى ... سلبوني دنياى من بعد ديني!
وإني أحذر العرب والمسلمين في كل قطر من مثل هذا المنطق الكفور الضعيف، إنهم يجب أن يتشبثوا بأرضهم شبرًا شبرًا، وبدينهم حكمًا حكمًا، وليعلموا أن نية التفريط أول بوادر الهزيمة، وأن النزول عن جزء من الحق إيذان بضياع الحق كله.
لقد بدأ الإسلام غريبًا مستضعفًا، فلما ثبت عليه أهله أصبح قطب الوجود، ومنارة الدهور، وما كلفهم ذلك إلا شيئًا واحدا هو صدق الإيمان وإن خفق القلب واضطرب القدم وقل الناصر وفجر الباغي وعمت الأفق الغيوم.