وسواء كانت الفكرة يهودية أو الدعوة لذلك خارجية أو داخلية، فإن النتيجة واحدة، وهى عزل الدين عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمدنية وقصره على العبادة والعقيدة في المساجد والقلوب، ونقول: إذا كان الهدف من الفكرة أساسًا هو إسقاط الخلافة الإسلامية، وإقامة دولة إسرائيل أفليس ذلك دليلًا على خطورة الفكرة؟ وأليس ثمارها قد ظهرت وأينعت؟ فهل ننتظر المزيد؟
إذا صح عزل الكنيسة عن الدولة لجمودها ومحاربتها العلم ووقوفها في سبيل النهضة والرقى، فلا يصح ذلك في الإسلام بعد أن ظهر لنا مدى ما فيه من التطور الصحيح والدعوة إلى العلم والرقى وانفتاحه على الحياة التى لا تخالف نصًا شرعيًا ولا تصادم قاعدة شرعية.
إن الإسلام جمع في تشريعه بين الدين والدنيا، والدين والحكم في آيات كثيرة، ومن هنا لا يمكن الفصل بينهما فلا يمكن أن يكون دين بلا دولة ولا دولة بلا دين، فالأمر بالشورى والحدود وإقامتها، والأمر بالحكم بكتاب الله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى غير ذلك ما كان ليتم إلا بوجود حكومة تحكم بكتاب الله وتنفذ أحكامه وقوانينه، وتقيم دولتها على أساس من القرآن، كما قال الله عز وجل:"الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ" (الحج: 41) .
هذا علاوة على ما في القرآن الكريم والسنة المطهرة من تنظيم للعلاقات الداخلية والخارجية في السلم والحرب (3) وفقهنا الإسلامي على مر العصور لم يعرف إطلاقًا مثل هذه الفكرة ولم يتصورها، بل إنه اعتبر الدولة أحد أقسامه وأجزائه وليس قسيمًا له (4) . وأكثر من ذلك يعتبر الفصل بينهما كفرًا وفتنة وجاهلية.