ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر بأنه الذى نزلت فيه آية:"وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا" (الأحقاف: 17) . وقالت:"والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته"إلى آخر تلك القصة.
قال ابن كثير: من زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن أسلم، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
قال: وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، وساق قصة مروان ابن الحكم مع عبد الرحمن ابن أبى بكر بطولها، وبألفاظها المختلفة، معزوة لابن أبى حاتم والبخارى والنسائى، فراجعها في تفسيره إن شئت (3) .
وقد كانت عائشة رضى الله عنها تعرف اسم الرجل الذى نزلت فيه الآية، ولكن أدبها وحياءها وتقواها أبى عليها أن تذكره، ولأن ذكره يخلو من الفائدة ومعرفته على التعيين لا تعين على فهم الآية، ويكفيها أنها برأت أخاها من هذه التهمة التى رماه بها مروان.
4.ومن فوائد العلم بأسباب النزول تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحى في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها، وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل أولئك من دواعى تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر، وذلك هو قانون تداعى المعانى المقرر في علم النفس. ولهذه الفوائد وغيرها بالغ العلماء في العناية بهذا العلم وأطنبوا في شرحه وتفصيل مسائله، وتتبعوا الآثار الواردة فيه.
فأفراده بالتأليف جماعة أقدمهم: على بن المدينى شيخ البخارى. كما يقول السيوطى في الإتقان.
أ. د/ محمد بكر إسماعيل
الأستاذ بجامعة الأزهر