ويقول آخرون أيضًا بأن (بنثام) ومن تابعه بالغوا في اعتناق النزعة الفردية كما بالغوا في البعد عن النزعة الجماعية لأسباب أملتها الفطرة ... فهم كانوا يطلبون الأمن على الحياة والولد والمال، في عهد أظلته الثورة الفرنسية القريبة من زمانهم، وقد طغت فيها النزعة الجماعية الجامحة، التي ظنت بأن تحقيق العدالة لا يكون إلا بتحطيم كل حصانة يعيش الفرد في ظلها ويتلقاها عنه بنوه ... وذهب بعض الناقدين لبنثام إلى حد القول بأن طلبه للأمن وفقًا لمنهجه، وفي ظل الرعب من أحداث الثورة الفرنسية، حمله على أن يصل بحقوق الفرد والنظم التي تكفلها إلى حد القداسة، ومن حيث إن بعض هذه النظم كان ظالمًا، فقد أخطأ كل من تعلق بوهم القداسة لنظم يضعها الإنسان، ولذلك رأينا الصروح تتهاوى ولا تزال. وهكذا نرى أن زوال القداسة عن النظم التي يضعها الناس قد مهد لإعادة النظر في جملة الأوضاع التي استمدت وجودها من الفكر وحده، كما مهد لمحاولة الرجوع إلى مصدر آخر بخلاف الفكر الذي قد يضل وقد يهدي، ما لم ينشط في إطار يمنع من الخروج من حدود طاقته، ومن ثم كان الدين دوره مرة أخرى بعد أن طال احتجابه.