وقد اختلف العلماء في معنى المحكم والمتشابه. فقال بعضهم: إن المحكم هو الواضح الدلالة الظاهر الذى لا يحتمل النسخ، أما المتشابه فهو الخفى الذى لا يدرك معناه عقلًا ولا نقلًا، وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور، وينسب هذا القول إلى الأحناف وغيرهم من أهل السنة.
ومنهم من قال: إن المحكم ما لا يحتما إلا وجهًا واحدًا من التأويل، والمتشابه ما احتمل أوجهًا، ويعزى هذا الرأى إلى ابن عباس، ويجرى عليه أكثر الأصوليين.
ومنهم من قال: إن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر، أما المتشابه فما كانت دلالته غير راجحة وهو المجمل والمؤول والمشكل ويعزى هذا الرأى إلى الإمام الرازى واختاره كثير من المحققين.
وقد بسطه الإمام الرازى فقال ما خلاصته:"اللفظ الذى جعل موضوعًا لمعنى، إما ألا يكون محتملًا لغيره، أو يكون محتملًا لغيره، فالأول النص، والثانى إما أن يكون احتماله لأحد المعانى راجحًا، ولغيره مرجوحًا، وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية، واللفظ بالنسبة للمعنى الراجح يسمى ظاهرًا، وبالنسبة للمعنى المرجوح يسمى مؤولًا وبالنسبة للمعنيين المتساويين أو المعانى المتساوية يسمى مشتركًا وبالنسبة لأحدهما على التعيين يسمى مجملًا، وقد يسمى اللفظ مشكلًا إذا كان معناه الراجح باطلًا ومعناه المرجوح حقًا".
وقد قسم الإمام الراغب في مفرداته المتشابه إلى أقسام كثيرة يدخل بعضها في بعض، فأجاد وأفاد، وحقق المراد.
وقد نقلت عنه ما قاله في كتابى:"دراسات في علوم القرآن"مع شىء من التوضيح والتوجيه فراجعه إن شئت في الصفحة رقم 212 وما بعدها.
واعلم - أيها القارىء الكريم - أن التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما يقع في الفروع الجزئية.
وقد عرف ذلك بالاستقراء، أى بتتبع أصول الشرعية أصلًا أصلًا، لأن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه.