لما كان شأن التحويل عظيمًا فقد كان امتحانًا امتحن الله به قلوب المؤمنين والمنافقين وأهل الكتاب، وقد مهد الله تبارك وتعالى لهذا الأمر بقوله:"سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا" (البقرة: 142) .
فأما المؤمنون فقد ثبتهم الله واتبعوا الرسول، وصلوا إلى القبلة الجدية دون اعتراض أو نكير، بل عن رضًا وإيمان وتسليم.
أما المنافقون فقد كان لهم موقف آخر إذ راحوا يقولون: ما يدرى محمد أين يتوجه. إن أمره لمضطرب. لئن كانت القبلة الأولى حقًا، لقد تركها وانصرف عنها إلى غيرها باطلًا. وإن كانت الثانية هى الحق فقد كان على باطل أول الأمر ثم اهتدى.
أما اليهود فقد قالوا: إن محمدًا قد خالف الأنبياء قبله ولو كان نبيًا حقًا لاتبع قبلة من كان قبله من الأنبياء.
وقال المشركون: يوشك محمد أن يرجع إلى ديننا، بعد أن رجع إلى قبلتنا. ونظرًا لما صاحب أمر التحويل من الإرجاف والطعن فقد نزلت قبله آيات كثيرة تتحدث عن النسخ الذى كان اليهود ينكرونه"مَا نَنْسَخْ مِنْءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا" (البقرة: 106) كما تحدثت عن رغبة أهل الكتاب في أن يردوا المؤمنين كفارًا مثلهم من بعد ما تبين لهم الحق"وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً" (النساء: 89) ثم ذكرت الآيات بعد أن اليهود والنصارى يختلف بعضهم على بعض ويشهدون بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شىء وهم يتلون الكتاب.
وإنه لمن تمام النعمة على الأمة التى تعد شريعتها متصلة بشريعة إبراهيم ومجددة لها أن يكون قبلتها هى قبلة إبراهيم لتتم لها الهداية والنعمة. تحقيقًا لقول الله تبارك وتعالى"وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (البقرة 150) .
فتحي أمين عثمان