الشرك بالله: كانت السمة الرئيسية للمجتمع الجاهلي أنه مجتمع مشرك. فسدت فيه الفطرة فضل سواء السبيل، واتخذ أفراده من دون الله أندادًا وشركاء، ولذلك كان مجتمعًا متخبطًا في عقيدته، متحيرًا في عبادته، فهو تارة يتجه بالخضوع والخشوع والذلة والضراعة إلى أصنام لا تضر ولا تنفع، يقدم لها القرابين، وينذر لها النذور، معتقدًا أنها تشفع عند الله وتقرب عابديها إليه زلفى، وتارة أخرى يتجه بضراعته إلى عباد من البشر أفضوا إلى خالقهم، يقيم على قبورهم النصب، ويضيء السرج، ثم يعظم هذه القبور، ويطوف بها متبتلًا ضارعًا خاشعًا، يتمسح بأخشابها وأستارها ملتمسًا البركة والشفاء وكشف الضر وجلب النفع، ويفند القرآن الكريم هذه الدعاوى جميعًا حيث يقول: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) [الزمر: 2 - 3] ، ثم يؤكد القرآن أن هؤلاء الشفعاء الذين صنعهم الوهم بشر لا يملكون أكثر مما يملك البشر: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) [الأعراف: 194] ، ثم يشير القرآن الكريم في إعجاز إلى فقر الناس جميعًا إلى ربهم، وفي ذلك توجيه وإثبات لعجز البشر جميعًا وقدرة الله وحده (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) [فاطر: 13 - 15] .
إذن فكل مجتمع تظهر فيه هذه السمة، وهي الضراعة والاستغاثة والاستعانة والنذر واعتقاد الضر والنفع في غير الله هو مجتمع جاهلي.