فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 18318

اتباع الهوى وعدم العدل: كان التفاضل في المجتمع الجاهلي يقوم على معايير مختلة، وهي القوة والثراء والنسب، ولهذا كانت مكانة الفرد الاجتماعية تتحدد على أساس تلك المعايير، وجاء الإسلام ليهدم كل هذه المعايير وتلك الأسس، وليضع معيارًا واحدًا للتفاضل هو التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ... والسادة دائمًا في كل مجتمع جاهلي لا يرضون بهذا المعيار الإلهي العادل؛ لأنه يهدم التمييز الظالم الذي صاروا بمقتضاه سادة، هم وحدهم مصدر السلطة والقوة والثراء ... ظلمهم عدل، وطغيانهم مساواة، وضلالهم حكمة وحكمهم عدل وحق ... وإذا اختصم فريقان في أمر فالحق دائمًا في جانب الأقوى أو الأرفع نسبًا أو الأكثر ثراءً ... ويهدم القرآن هذا المعنى حيث يقول: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) [المائدة: 49، 50] .

وبمقتضى هذا المفهوم القرآني، فإن كل مجتمع تختل فيه المعايير بحيث تختلف فيه الأحكام بين الثواب والعقاب باختلاف منازل المتخاصمين الاجتماعية، وتبعًا لذلك تضيع حقوق الضعفاء الفقراء هو مجتمع جاهلي، ولعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو الذي تربى في مدرسة النبوة، يترجم المفهوم القرآني للعدل أصدق ترجمة، عندما يحدد سياسته فور توليه أمر المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول في خطبة له ينبغي أن تكون دستور كل حاكم مسلم: (إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، واعلموا أن ضعيفكم عندي قوي حتى آخذ الحق له، وقويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت