الغضب والحمق والعصبية: كان المجتمع الجاهلي مجتمعًا قبليًا تملأ قلوب أفراده العصبية، ويسيطر عليه الغضب والحمق، ولذلك كان يثور لأتفه الأسباب، وتنشب الحروب الطاحنة بين قبائله تلبية لنداء شيخ من شيوخ القبائل أعماه الغضب على قبيلة أخرى أو امتثالا لرغبة حمقاء في صدر كبير من الكبراء للثأر والانتقام، وكم سالت دماء أبرياء على رمال الصحراء التي لم تعد ترتوي من دماء بنيها، وكم انتهكت كرامة أناس لعداوة طارئة عن طريق شتمهم وسبهم بأقذع ألوان الشتائم والسباب، وكم اندفع الشعراء يسلقونهم بألسنة حداد معددين مثالبهم، وهم يهجونهم في قصائد تسير بها الركبان، ولذلك ملأ الحقد والبغضاء والعداوة صدور الناس بعضهم لبعض، وحدثت الفرقة والخصومة، فتفرق الجمع، وتمزق الشمل، والمجتمع الذي لا يكبح جماح قيادته، ويلزمها طريق التعقل والروية والبعد عن الغضب والحمق هو بهذا المفهوم مجتمع جاهلي، وكيف لا يكون المجتمع جاهليًا وقادته يقفون على ملأ من العالمين يفعلون ما كان يفعله الشعراء الهجاءون، متطاولين على الناس يشتمون هذا، ويسبون ذاك، ويفرقون الصف، ويمزقون الجمع؟ إن المجتمعات التي يسيطر الغضب والحمق والعصبية على تصرفات بنيها هي مجتمعات جاهلية بالمفهوم القرآني، الذي يشرح هذا المعنى يوم وقف الغضب والحمق والعصبية والحمية الجاهلية حائلا بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وبين تعظيم البيت الحرام والاعتمار به في السُّنَّة السادسة من الهجرة، وتشهد (الحديبية) ذلك الصراع بين مجتمعين متناقضين: مجتمع مسلم تسيطر عليه السكينة والروية والتعقل، ومجتمع جاهلي تسيطر عليه العصبية والغضب والاندفاع (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا) [الفتح 26] .
وإلى العدد القادم إن شاء الله