(3) في الصحيح: أن سائلًا سأله عن صوم الدهر. فقال:"من صام الدهر فلا صام ولا أفطر"، قال: فمن يصوم يومين ويفطر يومًا، فقال:"ومن يطيق ذلك؟!"قال: فمن يصوم يومًا، ويفطر يومين، فقال:"وددت أنى طوقت ذلك"، فقال: فمن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فقال:"ذلك أفضل الصوم"فسألوه عن صوم الدهر، ثم عن صوم ثلثيه ثم عن صوم ثلثه ثم صوم شطره. وأما قوله:"صيام ثلاثة ايام من كل شهر يعدل صيام الدهر"وقوله:"من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر، الحسنة بعشر أمثالها"ونحو ذلك. فمراده: أن من فعل هذا يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر، من غير حصول مفسدة. فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر رمضان. وإذا صام رمضان وستًا من شوال حصل بالمجموع أجر صوم الدهر، وكان القياس أن يكون استغراق الزمان بالصوم عبادة، لولا ما في ذلك من المعارض الراجح، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الراجح، وهو إضاعة ما هو أولى من الصوم، وحصول المفسدة راجحة فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة أو مستحبة، مع حصول مفسدة راجحة على مصلحة الصوم. وقد بين صلى الله عليه وسلم حكمة النهى، فقال:"من صام الدهر فلا صام ولا أفطر"فإنه يصير الصيام له عادة، كصيام الليل فلا ينتفع بهذا الصوم، ولا يكون صام، ولا هو أيضًا أفطر. ومن نقل عن الصحابة أنه سرد الصوم، فقد ذهب إلى أحد هذه الأقوال، وكذلك من نقل عنه أنه كان يقوم جميع الليل دائمًا، أو أنه يصلى الصبح بوضوء العشاء الآخرة، كذا كذا سنة، مع أن كثيرًا من المنقول من ذلك ضعيف. وقال عبد الله بن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد، وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لأنهم كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة. فأما سرد الصوم بعض العام، فهذا قد كان النبي صلى الله عليه وسلم فعله.