سئل ابن عمر عن الرجل يحج ومعه تجارة؟ فقرأ قول الله تعالى:"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" (البقرة: 198) . وقيل لابن عمر: إنا نكرى - أى: نعمل للناس بالأجرة - فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعروف - أى: عرفة - وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم؟ قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذى سألتنى فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية:"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" (البقرة: 198) ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أنتم حُجاج".
وعن أبى صالح مولى عمر - رضى الله عنه - قال: قلت: يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج. والحديث دال على فضل الله سبحانه تخفيفًا على المسلمين، ورفعًا للإصر الذى أوقعه بالأمم السابقة، كما أوقع باليهود لما تعنتوا، فأحل الله لهذه الأمة العمل في الحج بالبيع والشراء والكراء، ولهم الحج المقبول عند الله رحمة منه وتفضيلًا.
يقول القرطبى: في الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركًا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه خلافًا للفقراء - أما أن الحج دون تجارة أفضل لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها، روى الدارقطنى في سننه عن أبى أمامة التيمى، قال لابن عمر: إنى رجل أكرى في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون: إنه لا حج لك، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل الذى سألتنى، فسكت حتى نزلت هذه الآية:"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" (البقرة: 198) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن لك حجًا" (انتهى من تفسير القرطبى) .