وقول القرطبى:"خلافًا للفقراء"يعنى: الصوفية، فإنهم كانوا يسمون بالفقراء، ويقع منهم الورع بترك الحلال من المكاسب، ويستحلون ما هو أشد منه، فيسألون الناس ويتسولون. قال في الفتح: قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله.
والحديث يذكر من أسواق العرب في الجاهلية التى كانت في الموسم: عكاظ وذى مجاز ومجنة، فكان العرب في الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذى القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يومًا من ذى القعدة، ثم إذا رأوا هلال ذى الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذى المجاز، فلبثوا بها ثمان ليال ثم يذهبون إلى عرفة، ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام حتى زمن الخوارج سنة مائة وتسع وعشرين، لما خرج الحرورية بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا، فتركت سوق عكاظ، ثم تركت بعد ذلك ذا المجاز ومجنة، واستغنى الناس بأسواق مكة ومنى وعرفة، وكانت الأسواق مكانًا لإظهار المواهب في القبائل، وكانت أكثر مواهب العرب في الفصاحة، لذلك كان الشعراء يتناشدون فيها الأشعار، ويتبارون فيها بما نظموه طوال العام، حتى كانت الأسواق مكانًا للخطب والمواعظ.
فمن ذلك: أن قس بن ساعدة كان يعظ الناس في سوق عكاظ على جمل أحمر يقول: (يا معشر الناس اجتمعوا فكل من فات فات، وكل شىء آت آت، ليل داج وسماء ذات أبراج، وبحر عجاج، ونجوم تزهر، وجبال مرسية، وأنهار مجرية، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ أقسم قس بالله قسمًا لا ريب فيه، إن لله دينًا هو أرضى من دينكم هذا ثم أنشأ يقول:
فى الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت موردًا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوه
يمضى الأصاغر والأكابر
لا من مضى يأتى إليك
ولا من الباقين غابر