ثانيًا: فإذا كان الكون لا يستطيع الخلق أن يغيروا من أصوله من شمس في ضوئها، ولا هواء في تركيبه، ولا من ماء في نزوله ونبعه وملوحته وعذوبته، فكذلك الشرع لا يستطيع الخلق أن ينالوا من أصوله، لأنها في ثلاث: في قرآن حفظه الله سبحانه بحروفه ولفظه، وفى سنة أبقى الله لها حفظة، ميزوا صحيحها من سقيمها، حتى صار أهلها بين الناس معروفين، يميزوا كما يميز الصانع المعدن النفيس من المعدن الخسيس، والثالث: أن الله أبقى رجالًا في أجيال ثلاثة الصحابة والتابعين وتابعهم، وهم الذين حفظ الله بهم العلم، فردوا على الشبهات، وميزوا بين المتشابهات، وأزالوا الغموض، وكشفوا الضلالات، فالذى جعل الكون ثابت القواعد متجدد العطاء هو الذى أنزل الشرع، وأخبرنا أنه كاف خلقه، ليحكموه ويعلموا به، وأن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر فاسق ظالم.
ثالثًا: كون الله يمكن أن يظهر آثار إفساد الخلق فيه بأعمالهم، لقوله تعالى:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ" (الروم: 41) بينما الله أتم شرعه وأحكم دينه يوم أن نزل:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3) ووصفه بقوله:"كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود: 1) . فالماء في مجاريه قد يسلط المفسدون عليه ما يؤثر في بقائه أو يفقده صلاحيته، والهواء قد يبثوا فيها دخانًا أو غازات سامة. ومع ذلك فإن كون الله بعناصر تجديده، قد أودع الله فيه أسراره فهو يجدد نفسه، ويزيل الخبث الذى أصابه، ويعود إلى نقائه بالعوامل التى أودعها الله سبحانه فيه، فنحن نلوث الماء فنتخلص منه، والله يسلط شمسه فتبخر الماء، وتترك الخبيث، وطبقات الأرض ترشح الماء، وتحمل عنه الكدر، حتى إذا تجمع سحبًا كان نقيًا وإن اختزن في باطن الأرض كان صافيًا صالحًا.