فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 18318

-وأما تغيير الأسلوب من الغيبة في الآيات السابقة (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) إلى الخطاب في هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة (إياك نعبد وإياك نستعين ... ) فإن في هذا التغير والانتقال إشارة لطيفة إلى ترقي الحامد كلما أثنى على ربه، وأخلص في مناجاته، ووصفه بصفات الجلال والجمال من الألوهية، والربوبية، والرحمة والرحمانية، والتفرد بالتصرف يوم الدين، وانتقاله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وذلك حال المصلي الذي يقرأ الفاتحة، فإنه حين يدخل الصلاة يكون قريب عهد بما كان يشغله قبل الدخول فيها، فإذا أقبل على ربه بتسميته، وحمده، والثناء عليه، تاركًا شواغله - انتقل إلى مقام الإحسان في عبادته، وهو أن يعبد الله كأنه يراه - كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) - فالتفت إليه مخاطبًا، قائلا له: (إياك نعبد وإياك نستعين) .

وأما تقديم المفعول، وهو (إياك) على الفعل، وهو (نعبد) في (إياك نعبد) وتقديمه كذلك وتكراره في (وإياك نستعين) بدلا من (نعبدك، ونستعينك) فإن هذا التقديم لإفادة أن العبادة والاستعانة مقصورتان على الله وحده، وتكرار (إياك) للاهتمام.

وذلك أن الأصل في المفعول أن يتأخر عن فعله، وتقديم ما حقه التأخير يفيد القصر والحصر والاختصاص، وهذا كالفرق بين قولك (أحب خالدًا) و (خالدًا أحب) فإن (أحب خالدًا) يفيد مجرد حبك إياه، دون قصر هذا الحب عليه، وأما (خالدًا أحب) فإنه يفيد أمرين: حبك إياه، وقصر حبك عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت