فهرس الكتاب

الصفحة 7258 من 18318

روى البخاري في صحيحه بسنده إلى الأعمش قال: سمعت أبا وائل يقول: عُدنا خبابًا؛ فقال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله؛ فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا؛ منهم مصعب بن عمير، قُتِل يوم أحد، وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه! فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئًا من إذخر!! ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها!!

ومصعب بن عمير رضي الله عنه هو ذلك المثال العجيب الذي تحار فيه العقول؛ فقد نشأ مصعب بين شباب مكة قبل إسلامه؛ فكان أجملهم وأعطرهم، وأكثرهم مالًا وثراءً؛ يحيا حياة ناعمة مترفة؛ لا يراه الناس إلا ضاحكًا مقبلًا على الدنيا يأخذ من متاعها، وقد اجتمع بين يديه أموال كثيرة وفيرة. ويدخل ذلك الفتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم فيسمع كلامه، ويعرف حقيقة ما يدعو إليه. فيعلن إيمانه بهذا الدين، ويحوله الإسلام إلى شيء آخر! فيهاجر إلى الحبشة مفارقًا أهله وعشيرته وماله ونعيم الدنيا الذي كان يتقلب فيه!! ثم يرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيعة العقبة الأولى مع أهل هذه البيعة إلى يثرب ليعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، وأسلم على يديه خلق كثير بعد أن فتح الله قلوبهم لدعوته بإخلاصه وعلمه، فكان خير داع إلى الله ثم كان من المجاهدين في عزوة بدر الكبرى ومات شهيدًا في عزوة أحد فلم يجد الصحابة له كفنًا يغطي كل بدنه (إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه) وذلك لشدة فقره، وخشونة عيشه بعكس ما كان عليه في سيرته الأولى. إنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت